التعويض عن الضرر المعنوي في السعودية

يعرف الضرر  في السعودية  كأحد أركان المسؤولية المدنية على أنه الأذى الذي يلحق بالشخص من جراء عمل غير مشروع أو تعدي، وهو يقسم إلى نوعين أساسيين هما:

1. الضرر المادي: هو ذلك الضرر الذي يصيب الشخص في ماله أو جسده أو الضرر الذي يقع على مصلحة مالية معتبرة للشخص.
2. الضرر المعنوي: هو الضرر الذي يقع على الشرف أو على السمعة أو على المركز المالي أو الاجتماعي للشخص وما إلى ذلك من الأضرار النفسية التي قد تصيبه أو هو الأذى الذي يصيب الإنسان في مشاعره واعتباره نتيجة فعل غير مشروع أو تعدي من الغير.
ولما كان فقهاء القانون والشرع الإسلامي جميعاً متفقين على جواز التعويض عن الضرر المادي، إلا أن موقفهم لم يكن موحداً تجاه قابلية الضرر المعنوي للتعويض عنه.
ونظراً لأهمية وحساسية موضوع التعويض عن الضرر المعنوي لذلك سوف نقوم باستعراض موقف المشرع السعودي من هذا النوع من الأضرار

وذلك من خلال بيان المواضيع التالية:

أولاً: مفهوم الضرر المعنوي:

اجتهد الفقهاء في وضع تعريف يحدد معنى الضرر المعنوي فذهب بعضهم إلى القول بأن الضرر المعنوي هو ذلك الضرر الذي يصيب الشخص المضرور في شعوره أو عاطفته أو كرامته أو شرفه أو أي معني آخر من المعاني التي يحرص عليها، بينما ذهب فقهاء آخرون إلى القول بأن الضرر المعنوي هو الضرر الذي يصيب مصلحة غير مالية للمضرور، ولعل من أوجز التعاريف التي أوردها الفقهاء للضرر المعنوي واشملها هو ذلك التعريف الذي أورده الأستاذ محمد المدني بو ساق عندما عبر عن الضرر المعنوي بأنه كل أذى يصيب الانسان في عرضه أو عاطفته أو شعوره.

مما سبق نجد أن معظم التعريفات على اختلاف أنواعها وواضعيها قد اجتمعت على أن الضرر المعنوي أو الأدبي أو النفسي هو الذي يصيب الشخص في مصلحة غير مالية، وأن هذا الضرر لا يمكن لمسه فهو متعلق بجانب غير مادي ولا يقع تحت الحواس، وذلك لاختصاصه بالجوانب العاطفية أو الشعورية أو الكرامة أو إساءة السمعة.

ثانياً: موقف فقهاء الشريعة الإسلامية من موضوع التعويض عن الضرر المعنوي ومبرراتهم:

من المعلوم أن قضاء المملكة العربية السعودية ينطلق من الأحكام الفقهية الثابتة في الشريعة الإسلامية والواردة في كتب الفقهاء من جميع المذاهب وان كان يطغى عليه رأي المذهب الحنبلي لذلك فإنه من أجل بيان موقف المشرع والقضاء السعودي في موضوع التعويض عن الضرر المعنوي فإنه لا بدَّ من البدء أولاً ببيان موقف الشريعة الإسلامية في هذا الموضوع، ومن المعلوم أنه لا خلاف على أن فقهاء الشريعة الإسلامية جميعهم قد اتفقوا على ضرورة التعويض عن الضرر المادي من جهة ، وعلى المجازاة لقاء الضرر المعنوي من جهة أخرى، إلا أن الخلاف الذي ثار بينهم إنما يتعلق بالتعويض عن الضرر المعنوي وقد انقسم الفقهاء في مواجهة هذا الموضوع إلى فريقين لكل منهم رأيه ومبرراته التي يستند إليها والتي سنبينها على الشكل التالي:

الفريق الأول : الذي أجاز التعويض المادي عن الضرر المعنوي:

يرى أصحاب هذا الرأي ضرورة الأخذ بالتعويض المادي عن الضرر المعوي وذلك استناداً إلى أن الضرر المعنوي هو كالضرر المادي من حيث أنه ينطوي على اعتداء على حق مشروع ويمثل فوات مصلحة للمعتدى عليه لذلك فغنه من الواجب تقرير الضمان للمضرور والتعويض عنه تعويضاً مالياً حاله في ذلك حال الشخص الذي يطالب بالتعويض عن الضرر المادي الواقع عليه والسبب في تقرير هذا المبدأ وفق وجهة نظر القائلين به يكمن في أن المضرور في الضرر المعنوي لو أنه قد طالب بتعزير الجاني لكان من شأن ذلك أن يؤدي إلى الحكم على الجاني بعقوبة تعزيرية كالجلد أو السجن أو غيره كتقدير عادل مقابل ذلك الضرر،

وقد استمد هذا الاتجاه رأيه من الأدلة التالية:

أولاً: من القرآن الكريم:

وردت العديد من الآيات التي يفهم من مضمونها أن الله عز وجل في كتابه الكريم قد أقر مبدأ التعويض المادي عن الضرر المعنوي ومن هذه الآيات نذكر على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى في سورة البقرة: )فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) وقوله في سورة النحل: (إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) وكذلك قوله تعالى في سورة الشورى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وغير ذلك من الآيات القرآنية الكثير التي تدل بمجملها على أن الله جل وعلا قد أوجب المماثلة في العقاب وذلك تحقيقا للعدالة وعقابا للمجرمين وردعا للمعتدين وجبرا للمضرورين، وإن المماثلة لا تتحقق في كل صور العقاب حيث أن هناك ما يمكن فيه المماثلة كالقصاص والجروح إلا أن الأمر يختلف في حالة الضرر المعنوي إذ كيف ستكون المماثلة في حال مس الضرر كرامة الشخص فهل يعقل أن يسمح لمن مست كرامته بأن يمس كرامة المسيء إليه مثلما فعل.

إن القول بمثل هذا الأمر من شأنه أن يؤدي إلى إشاعة الفاحشة وتثبيت لمعناها بين الناس وهذا لا يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، لذلك كان التعويض بالبدل المادي في الضرر المعنوي أي التعويض بالمال هو الحل الأمثل.

ثانياً: من السنة النبوية:

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) فهذا الحديث الشريف إنما يستدل منه أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الإضرار والإيذاء بشتى الصور التي قد يظهر بها ، وإن الضرر المعنوي كأحد أنواع الضرر المنهي عنه يدخل أيضاً في نطاق التحريم الذي دل عليه الحديث الشريف، نظراً لأنه يعتبر فعلاً محرماً لذلك فإنه يكون واجب الضمان كغيره من الأضرار المحرمة التي تكاتفت أدلة الشرع في جواز التعويض عنها.

وكذلك الحديث الشريف الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه( وإن وجه الاستدلال من هذا الحديث هو أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد حرم على المسلم عرض أخيه المسلم والعرض إنما هو موطن الشرف في الإنسان أو ما به قوام شرفه واعتباره مما يتعلق بكيانه المعنوي، وقد جاء النص على تحريم العرض في الحديث الشريف معطوفاً على أمرين لا ينكر أي فقيه ثبوت تقرير مبدأ التعويض فيهما إجمالا وهما التعويض عن جرائم الدم والمال الأمر الذي يدل على أن المعطوف وهو العرض له حكم مماثل لما عطف عليه في الضمان بالتعويض أي مثله مثل الدم والمال.

ثالثاً: من آثار الصحابة رضوان الله عليهم:

نجد حادثة المرأة التي كان يُدخل عليها وكانت حاملا، فأرسل إليها عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ولما كانت في الطريق ضربها الطلق فألقت ولدها فصاح صيحتين ثم مات. فلما استشار عمر – رضي الله عنه – الصحابة في امرها أشار بعضهم إلى أن ليس عليه شيء إنما هو والي ومؤدب، إلا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه وكرم وجهه – الذي صمت فأقبل عمر عليه يسأله ما تقول يا أبا الحسن – والذي أجاب: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطئوا رأيهم وإن قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك لأنك أفزعتها فألقت، فأمر علياً أن يقسم عقله – أي دية الجنين – على قريش، أي أخذ الدية من قريش.

كما أخرج البيهقي في سننه كان عمر وعثمان – رضي الله عنهما – يعاقبان على الهجاء، والعقاب على الهجاء يقتضي أن يكون السب والقذف وغيرهما من الأفعال الضارة التي تنال من شرف الإنسان واعتباره محل الضمان بالتعويض، ولو لم تكن كذلك ما قضى صحابيان جليلان مثل عمر وعثمان بضمانها.

رابعاً: من المعقول:

إن الذين قالوا بجواز التعويض عن الضرر المعنوي قد استندوا في ذلك إلى أن الألم الذي يبعثه الضرر المعنوي في النفس لا يقل عن الألم الذي يبعثه الضرر المادي، بل إن الضرر المادي قد يكون أهون من المعنوي في كثير من الحالات من جهة أخرى فإنه على اعتبار أن المقصود من التعويض وفق المصطلح القانوني أنه يتمثل في إزالة أثر الضرر أو التهوين من أثره على النفس فإنه لا يتصور والحال كذلك أن يكون التعويض هنا مقصورا على الضرر المادي فقط دون الضرر المعنوي، وإلا إذا ما فعلنا ذلك نكون بذلك قد فتحنا بابا للاعتداء على الأعراض دون وجود رادع أو حسيب الأمر الذي يشجع المعتدين على إتيان هذا النوع من الضرر، ومن ثم فإن الأخذ بالتعويض المادي عن الضرر المعنوي من شأنه أن يكون زاجرا ورادعا لمن تسول له نفسه التعدي على الغير.

 

الفريق الثاني : الذي لم يجز التعويض المادي عن الضرر المعنوي:

يطلق الفقهاء الذين قالوا بهذا الرأي من أنه في أحكام التي قررتها الشريعة الإسلامية لما يقع من الفعل الضار سواء كان على النفس أو العرض أو الشرف إنما يوجد ما يكفي لجبر الضرر ورد الاعتداء.

وقد استند أصحاب هذا الاتجاه في تبرير رأيهم إلى ما يلي:

1. أن الشريعة الإسلامية قد وضعت العقاب للمعتدين على أعراض الناس وسمعتهم من خلال حد القذف والتعزير، كما عالجت المماطلة بتنفيذ العقد من خلال الحبس، وبيع مال المماطل وغير ذلك من الوسائل المغنية عن تقرير الضمان المالي عن الضرر المعنوي لذلك فإنه يكون لا وجه له.

2. أن التعزير الذي أقرته الشريعة في كل معصية لا حد فيها يكفي لجبر الأضرار المعنوية التي ينتج عنها الألم النفسي، وفيه التكافؤ بين الضرر والجزاء وهو أولى من ضمان ذلك الأضرار بالمال.

3. إن القبول بفرض التعويض المادي عن الضرر المعنوي ينطوي على مخالفة شرعية وذلك لأن الله سبحانه وتعالى ورسوله قد حددا الدية المقدرة شرعا في الجناية على النفس وبالتالي فإن التقرير بالتعويض أيضاً هنا يكون أمرا زائداً.

4. إن قبول التعويض عن الضرر المعنوي من شأنه أن يفتح الباب أمام القاضي للتحكم في التعويض الذي يؤدى إلى أهل المتوفى والذي سيكون زيادة عن الدية المقررة شرعا في حالة الوفاة وبالتالي فإن هذا الأمر سيؤدي إلى مخالفة لأحكام الميراث حيث يترك الأمر للقاضي في توزيعه للتعويض على أحظ أفراد الورثة من الحزن والفجيعة والضرر.

5. إن الضرر المعنوي في بعض الأمور كالشرف والسمعة والتي تعد من الأمور الاعتبارية وبالتالي فإنها تكون غير صالحة للتعويض بالمال ومن الأولى أن تخضع لقواعد التعزير المقررة في الشريعة.

6. إن التعويض المالي عن الضرر الذي يصيب الأعراض هو من باب أخذ مال على العرض، وهذا الأمر لا يجوز لأن الأعراض لها مكانتها في الإسلام وجعلها محلا للتعويض المالي هو أمر تأباه الفطرة السليمة.

7. إن الضرر المعنوي ليس فيه أية خسارة مالية وهو شيء غير محسوس لا يمكن تقديره ولا يترك آثارا ظاهرة، بينما التعويض في الفقه الإسلامي لا يكون إلا على ضرر مادي محسوس ، فالتعويض شرع كمقابل لمال ضائع على المضرور على اعتبار أن ما ضاع هو شيء محسوس وغالبا ما يتبعه خسارة مالية.

وقد أشار أصحاب هذا الاتجاه أيضاَ إلى أنه حتى لو سلمنا بوقوع الضرر المعنوي إلا أن هناك صعوبات أخرى تنشأ بعد ذلك تتعلق بتقدير حجم الضرر الحاصل وتعيين مقدار التعويض الكافي لجبر ما لحق المضرور من أذى وضرر.

موقف القضاء في المملكة العربية السعودية من التعويض عن الضرر المعنوي:

من خلال استقراء الأحكام الصادرة عن القضاء السعودي نجد أن القضاء في المملكة العربية السعودية قد استقر على عدم جواز التعويض عن الضرر المعنوي ، وهذا الاتجاه يتفق مع ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشر المنعقدة بتاريخ 1421هـ رقم :109 / (3/12).

حيث جاء في الفقرة الخامسة منه ما يلي:

إن الضرر الذي يجوز التعويض عنه _ أي الشرط الجزائي _ يشمل الضرر المالي وما لحق المضرور من خسارة حقيقية وما فاته من كسب مؤكد ولا يشمل الضرر الأدبي أو النفسي أو المعنوي .

بينما اتجهت بعض المحاكم السعودية إلى الحكم بالتعويض عن الضرر المعنوي وفقاً لما قد يراه القاضي ضروريا ومناسبا. وعلى سبيل المثال نذكر ما أحاط ديوان المظالم رؤساء المحاكم الإدارية بما يتعلق بجواز الحكم بالتعويض المادي عن الضرر المعنوي في القضايا والأمور التي لا تتعلق بضرر مادي على شرط أن يخضع التعويض المحكوم فيه لتقدير المحكمة بحسب ظروف الواقعة وملابساتها.

التعويض في حال الثبوت :

أما فيما يتعلق بمبلغ التعويض المحكوم به في حال ثبوت الضرر المعنوي, فإنه يظل متروكاً لسلطة القاضي التقديرية،مع وجوب مراعاة ظروف المتضرر المادية والاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى حجم ونوع وماهية الضرر، هل هو شخصي أم أسري أم جنائي، وهل تزامن مع اتهام أم مجرد تهم باطلة نالت ممن يدعي وقوع الضرر عليه ومن أسرته أو نالت من عمله أو نشاطه التجاري أو الاجتماعي، وكل تلك الأمور التي تؤخذ بعين الاعتبار في تحديد مبلغ التعويض عن الضرر المعنوي.
وبهذا نكون قد استعرضنا ماهية الضرر المعنوي وشروط تحققه طبقا للقانون السعودي والشريعة الإسلامية،كما استعرضنا موقف الفقهاء فيما يتعلق بكيفية تقدير التعويض عن الضرر المعنوي ومدى الأخذ به كسبب موجب للتعويض من عدمه ، ومدى إمكانية اعتبار الضرر المعنوي سببا موجباً للتعويض المالي أو الاكتفاء بما قررته الشريعة الإسلامية من تعازير واحكام .

Majid

Author Majid

More posts by Majid

Leave a Reply