هل يجوز الهجر في القانون السعودي

هل يجوز الهجر في القانون السعودي؟

تعاني المجتمعات العربية من كثير من المشكلات الأُسرية المُعلَّقةالتي يقبل بها الأفراد رغماً عنهم على مرور

الأزمان حتَّى أصبحت مقبولة على الرغم من كل الخطأ والضررالذي تنطوي عليه,ويُعدُّ هجر الأزواج لزوجاتهم أو

جعلهنَّ مُعلَّقات لسنوات عدة من أكثر المشكلات وجعاً وقهراًبالنسبة للمرأة،بل إن الأمور تزداد تعقيداً وقسوة

حين يرفض هؤلاء الطلاق ليزيدوا في إذلال نسائهن وكسرمشاعرهن دون أدنى مبالاة لأية عواقب، ناسين أو

متناسين الوصايا الكثيرة التي جاءت في الكتاب والسنةبشأن تقدير واحترام ومراعاة حقوق العلاقة الزوجية،

فهل يُعقل أن يُصبح حال المرأة المُعلَّقة مقبولاً على الرغممن أن الله تعالى يقول في كتابه الكريم :”فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلَّقة”،

كما أنَّ المرأة المهجورة أيضاًليست أفضل حالاً من المعلقة، وهي التي تنام وتصحو على ظلم وتعسف زوجها.

 

وبالنظر إلى حال مجتمعاتنا نجد أن هناك الكثير من قصص عضل وهجران المرأة لا تزال تشهد فصولاً مأساوية،

وقد وصل كثير منها إلى حد الظلم والتعدي على كرامة ومشاعر المرأة بالإضافة إلى هدم قدسية العلاقات الأسرية،

لسبب بسيط جداً وهي أن عقلية بعض الرجال لا تزال تنظر إلى المرأة على أنها «الجدار القصير» و«العنصر الأضعف» في

المجتمع، دون أن يدركوا قيمتها الحقيقية، وأنها تمثل «روح المجتمع» وقلبه النابض.

 

ونظراً لخطورة وحساسية موضوع هجر الزوج لزوجته والآثار المدمرة التي تنتج عنه كان لابدَّ من التطرق لبيان مفهوم

الهجر وحالاته ومن ثم توضيح حكمه في الشريعة الإسلامية والذي تبناه القانون السعودي.

المودة والرحمة :

بداية وقبل التعرض لموضوع الهجر يجب أن نشير إلى أن الأصل في العلاقة بين الزوجين أنها يجب أن تكون قائمة

على جانب كبير ووثيق من المودة والرحمة؛ وذلك من أجل صناعة أسرة فاضلة وذرية طيبة صالحة، إلا أن المشكلات

الزوجية والأسرية ومن أخطرها الهجر قد تجعل الترابط بين الزوجين يتراخى لينقطع أو يكاد ، فالهجر في الأصل

وإن كان أسلوباً قد شرعه الله عز وجل، إلاَّ أنَّه قد شُرع لأسباب معينة ولوقت محدد وضمن ضوابط تحقق

المطلوب منه دون إفراط ولا تفريط.

 

فالهجر في الشريعة الإسلامية قد شُرع في البيت وذلك من أجل علاج نشوز الزوجة وخروجها عن طاعة الزوج بالمعروف،

ولا يجوز أن يستخدم الزوج هذا الأسلوب ضد زوجته وأولادها منه بشكل تعسفي دون ذنب اقترفته، وذلك بأن يستمر في

هجره وغيبته الشهور والأعوام، بل إن الأمر يزداد سوءاً عندما يقترن الهجر مع ترك النفقة على الزوجة والأبناء، بالإضافة

إلى رفض وسطاء الإصلاح والتمسُّك بعصمة النكاح إمعاناً بالضرر وإصراراً على الحبس والأسر، لتصبح الزوجة معلقة

فلا هي زوجة حقيقية ولا هي مُطلَّقة.

 

مفهوم الهجر:

يمكن تعريف الهجر والتعليق بين الزوجين على انه مفارقة احد الزوجين للأخر من دون وجود طلاق أو فُرقة شرعية

بينهما، وللهجر أسباب مختلفة، لعلَّ من أبرزها فقدان المودة والرحمة بين الزوجين أو وجود اختلاف بينهما، ولكن

الزوج قد يُسيء استخدام أسلوب الهجر فينحرف به من كونه أسلوباً للعلاج والتقويم ليجعله عقاباً وتعذيباً، بل إنَّه

ربَّما يصل لنشوز أحد الزوجين عن الآخر، وربَّما يكون سبباً للفرقة بينهما أو يصل للعضل.

 

مبررات الهجر في الشريعة الإسلامية:

أجاز التشريع الإسلامي للرجل أن يهجر زوجته في الحالة التي يكون فيها الهجران أحد الأساليب لعلاج نشوز الزوجة،

ويكون هذا الهجران مشروعاً عندما تعصي الزوجة زوجها، ولا تقوم بأداء حقوقه عليها، وقد استندت مشروعية الهجران

في القرآن الكريم إلى قوله تعالى: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، فإذا لم يفلح الهجران في إصلاح الزوجة الناشز فإنّ على كلا الطرفين أن يبعثا حكماً من أهل الصلاح والتدبير لعلهما يقفا على أسباب المشكلة بين الزوجين ويقوما بحلها.

 

 حكم هجر الزوج لزوجته بغير مسوغ شرعي:

يحرم على الزوج أن يهجر زوجته بدون وجود سبب أو مسوغٍ شرعي، كما لا يحق له أن يمنعها من حقها

في الفراش وذلك لأنه من واجب الزوج إعفاف زوجته، ومن جهة أخرى أيضاً يجب  على الزوجة أن تسعى

لمعرفة السبب الذي دفع بزوجها لهجرانها، فالزوج قد يهجر زوجته لأنها تترك التزين والتجمل له، أو لأنها لا

تطيعه أو لغير ذلك من الأسباب، فإذا شعرت الزوجة بوقوع الضرر عليها بسبب هجران زوجها لها فإنّه يكون

من حقها حينئذٍ أن تطلب الطلاق، كما أنه يترتب على الزوج الإثم من جراء هجران زوجته دون وجود سبب

شرعي، ولا يعتبر هجرانه مهما طالت مدته طلاقاً.

 

 حكم من هجر زوجته أكثر من أربعة أشهر:

أجاز المشرع للرجل أن يهجر زوجته الناشز التي لا تؤدي حقه عليها، أو التي تعصيه في أمره وإن أقصى مدة

مشروعة للهجر هي ثلاثة شهور، كما أنه لا يجوز للزوج أن يهجر زوجته في الكلام والحديث وذلك لنهي النبي

عليه الصلاة والسلام أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام، وأمّا هجران الزوج لزوجته بغير نشوز منها فإنه لا

يجوز أن يمتد إلى مدة أربعة أشهر، لأنه إذا هجر الزوجة زوجته لمدة تصل إلى أربعة أشهر ففي هذه الحالة

تنطبق على هذا الهجر أحكام الإيلاء، حيث يكون الزوج مخيراً بين أمرين هما إما أن يطأ زوجته ويجامعها،

.وإمّا أن يطلقها ويفارقها، وللقاضي إجبار الزوج على تطليق زوجته في حال امتنع عن اختيار أحد الأمرين.

 

موقف القانون السعودي من حالة الهجر:

بالرجوع إلى أحكام القانون السعودي نجد أن النظام لم يُخصص للنساء المهجورات شيئاً خاصاً، إلا أنه قد

جعل لهن مؤخراً وذلك من خلال ما أصدره من تعاميم وزارية، كما يحق للمرأة التي تعاني من هجر زوجها

لها أن تتقدم إلى المحكمة المختصة بطلب لكي تثبت وجود حالة الهجر وذلك من أجل تقديمه لوزارة الشؤون

الاجتماعية والحصول على مُخصَّصات مالية، إلى حين عودة الزوج وتكفُّله بالنفقة الواجبة عليه.

 

وفي حال استمرت حالة الهجر فإنه يحق للمرأة المهجورة أن تلجأ لمحكمة الأحوال الشخصية أو المحكمة

العامة إن لم يوجد ببلدها محكمة خاصة بالأحوال الشخصية، من أجل أن تطلب رفع الهجر واستئناف العشرة

والنفقة من قبل الزوج أو رفع الضرر عنها من خلال طلب فسخ النكاح بدون رد عوض، مع أحقيّتها بإلزام الزوج

بدفع النفقات الماضية ومدة العدة الشرعية؛ وذلك لكون الهجر عيباً بالزوج ألحق بزوجته ضرراً بليغاً يحق لها

المطالبة برفعه من خلال طلب الفسخ.

 

فالزوج الذي يخالف عُرف النَّاس حوله ويترك زوجته بدون سبب مُعتبر شرعاً وقانوناً يُعدُّ هاجراً لها، و يترتَّب على

ذلك انه يحق للزوجة المهجورة أن تلجأ إلى القضاء لتطلب فسخ النكاح للضرر، وأمَّا ما لا يُعده النَّاس وفق العادات

والأعراف السائدة هجراً ومن أمثلته سفر الزوج لطلب الرزق أو طلب العلم أو لهدف مؤقت آخر مع تركه نفقة زوجته،

فإنَّه في هذه الحالة لا يُعدُّ الزوج هاجراً لزوجته، فإذا ثبت للقاضي ارتكاب الزوج لهجر زوجته من خلال إقراره أو عجزه

عن إثبات البيِّنة على حضوره وصلته بها، وطالبت الزوجة برفع الضرر عنها إلا أن الزوج رفض منحها كامل حقوقها من

المعاشرة والمؤانسة والنفقة، ففي مثل هذه الحالة يحق للقاضي الحكم برفع الضرر وفسخ النكاح بالاستناد إلى عيب الهجر.

حق الزوجة في الطلاق !

حيث يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق في حال هجرها زوجها لمجة تزيد عن أربعة أشهر، لأنه لا الشرع ولا القانون يعطيان

الزوج الحق في أن يهجر زوجته للأبد في الفراش، ومن جهة أخرى فإنه إذا هجر الزوج زوجته، فإنه يكون من حقها طلب

الطلاق للضرر الواقع عليها في حال استمر الهجر مدة طويلة وشعرت الزوجة بالفراق ودون عذر مقبول، بل أكثر من ذلك

نجد أنه يحق للزوجة أن تطلب الطلاق إذا أقام زوجها في بلد بعيد عنها..وللأسف الشديد نجد أن هناك مشكلات كثيرة

تحدث في العلاقات الزوجية ولا يستطيع أحد أن يكتشفها ويكون إثباتها صعباً، كأن يهجر الزوج زوجته في الفراش وهما

يعيشان في بيت واحد، الأمر الذي يوجب على الزوجة أن تطلب الطلاق من أجله إلا أن إثباته يكون من الأمور الصعبة،

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن القانون يعطي الزوجة كافة الحقوق ولكن هناك صوراً ونماذج لا يمكن للزوجة أن

تأخذ حقها كاملاً ويكون فيها هجر، ومن أمثلة ذلك أن يعيش الزوج مع زوجته دون تطليقها ويتزوج بأخرى ويزورها بين الحين والآخر.

 

 

صك الهجران في القانون السعودي:

إن الواقع في المجتمع السعودي للأسف يشير إلى وجود الكثير من النساء اللواتي يعانين من هجران أزواجهن بلا سبب،

وفي كثير من الأحوال قد يمتد انقطاعهم لسنوات طويلة، وربما يكون تواجدهم في مدينة وهن في مدينة أخرى،

الأمر الذي يضطرهن إلى التوجه إلى المحكمة من أجل إثبات هذه الحالة، واستخراج “صك الهجران”، لمساعدتهن

على إنهاء إجراءات الخلع، وتقرير النفقة، وإثبات الحضانة، لكن من الجدير بالذكر هنا أن “صك الهجران” يعتب سلاح

ذو حدين، فمن ناحية يعتبر هذا الصك سبب قوي في النهاية يقود إلى طلب الطلاق وازدياد عدد المطلقات، بينما

من ناحية أخرى نجد أن المرأة لا تحصل عليه إلا بعد أن تقيم دعوة النفقة، بالإضافة إلى أن استخراج الصك يستغرق

فترة طويلة من الزمن، وتلجأ إليه النسوة من أجل أن يستطعن إعالة أبنائهن من الضمان أو المؤسسات الخيرية التي

تطالب بصك الإعالة ولكي تحصل الزوجة على صك الهجران فإنها لا بد من أن ترفع دعوى النفقة، وبعد ذلك تحصل

عليه، إلا أن هذه الإجراءات قد تستمر لسنين طويلة من الضياع وما تحتويه من القصص المحزنة التي تمر على

ضحايا هجران الآباء الشامل مادياً ومعنوياً.

 

الخلاصة:

في نهاية هذا المقال نصل إلى نتيجة مفادها أن الهجر وفق ما جاء به الشرع الإسلامي الحنيف إنما أريد له أن

يكون بمثابة العلاج الذي ينطوي على الإيلام والعقاب النفسي بالنسبة للزوجة الناشز التي تخرج عن طاعة زوجها

وتقصر في واجباتها الزوجية تجاهه، وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية هي التي أقرت نظام الهجر إلا أنه

قد كانت واعية لمخاطره وأضراره ولما قد يحف به من محاذير في حال عدم استعماله في المكان المخصص له

ووفق الضوابط الشرعية الخاصة به لذلك نجد ان المشرع قد ظم موضوع الهجر فبين كيفية تطبيقه بأن يكون الهجر

في الفراش أي ضمن بيت الزوجية و أن يكتفي الزوج بإدارة ظهره لزوجته لكي يعبر لها عن استيائه منها وغضبه

عليها ولم يجز المشرع للزوج أن يهجر كلام زوجته أو نفقتها ونفقة أولادها، كما أننا نجد أن المشرع فوق ذلك قد

حدد المدة الزمنية التي يكون الهجر فيها مقبولاً وهذه المدة هي ثلاثة أشهر على الأكثر إذ أنه من غير الجائز أن

يستمر الهجران لأكثر من أربعة أشهر لما في ذلك من إلحاق الضرر بالزوجة بشكل خاص وبالمؤسسة الأسرية

بشكل عام، فإذا تجاوز الزوج في هجره هذه المدة فغن فعله هذا قد يأخذ حكم الإيلاء.

 

رفع الضرر

وكما أن المشرع قد نظم شروط الهجر التي يجب على الزوج التقيد بها فإنه كذلك قد لحظ الحالة التي يتعسف فيها

الزوج في استعمال حقه ويلحق الضر بزوجته من خلال هجرها دون سبب مشروع أو أن يأخذ الهجر صورة المباعدة

في السكن فيهجر الزوج منزل الزوجية أو حتى كامل المنطقة التي تقطن فيها زوجته ويسافر إلى مكان آخر،

والأقسى من ذلك أن يتخلى الزوج عن القيام بواجبه بالإنفاق على زوجته وأولاده، ففي هذه الحالات يكون الهجر

من باب الفعل الضار غير المشروع الذي يلحق الضرر بالزوجة والذي  يمنحها الحق في اللجوء إلى القضاء من اجل

المطالبة برفع الضرر عنها إما من خلال تراجع الزوج عن حالة الهجر وعودته إلى جادة الرد والصواب بوصال زوجته

ورعاية أبنائه أو من خلال حقها في طلب الطلاق أو التفريق لعلة الهجر في حال لم يمتثل الزوج لصوت الشرع والمنطق.

 

وقد أخذ المشرع في المملكة العربية السعودية بأحكام الهجر التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وألزم جهات القضاء

بتطبيق أحكامها وقواعدها، كما أنه قد اعترف للمرأة التي هجرها زوجها لغير سبب مقبول أو لمدة تزيد عن مدة الهجر

المشروعة بحقها في طلب حل عقدة نكاحها وذلك دون إخلال بحقها في طلب النفقة عن الفترة السابقة للطلاق.

 

وفي جميع الحالات لا يمكننا أن ننكر الآثار السلبية الخطيرة التي تترتب على موضوع الهجر لا سيما في حال وجود

أطفال في الأسرة حيث ينعكس هذا الفعل سلباً على جو الأسرة فيفقد أفرادها شعور الاستقرار والطمأنينة كما

أنه يهددهم بخطر الانجراف في دوامات الإدمان والصراعات والامراض النفسية نتيجة حالة التشرذم والضياع التي

تعاني منها أسرهم، لذلك كله حبذا لو أن المشرع قد عمد إلى النص على وجود عقوبات رادعة تفرض بحق الأزواج

الذين يسيئون استعمال الهجر ويتخذونه وسيلة لإذلال زوجاتهم أو لحرمانهن من حقوقهن الشرعية أو لمجرد إرضاء

غريزة التفوق الذكورية المتفشية لديهم دون أدنى مراعاة لواجب المودة والرحمة التي فرضها الله تعالى في علاقة

الزوج بزوجته وأولاده.

 

قدم مكتب الصفوة للمحاماة هذا المقال بعنوان “هل يجوز الهجر في القانون السعودي”مع التوضيح بامكانية تقديم الاستشارات الإلكترونية عبر عنوان مدونتناhttps://www.safwalawfirm.com و القيام بالرد على جميع استفساراتكم القانونية بسرعة وسرية ودقة عالية عبر الرقم 00966580484711

و يمكن التواصل معنا من خلال البريد الالكتروني الخاص safwalawfirm@gmail.com

 

حقوق الزوجة بالنفقة والحضانة بالنظام السعودي

الاكراه في الزواج واثره في ذلك

الحضانة وكيف رفع الدعوى في السعودية

زوجي لا يصرف على البيت؟

عقوبات التحرش في الفتيات بالنظام السعودي

نصيب كل فرد من الميراث بالنظام السعودي

 

 

 

 

 

 

safwalawfirm

Author safwalawfirm

More posts by safwalawfirm

Leave a Reply