الفرار من الميراث في القانون السعودي

الفرار من الميراث في القانون السعودي:عرف الميراث في القانون السعودي  على أنه ما يتركُه المتوفَّى من ممتلكاتٍ وأموال بأشكالِها كافة، وقد اختلفت الأمم والشرائع في كيفية التعامل مع الميراث والتركة، فبعضها عدَّ الميراث حقًا للأبناء الذكور فقط دون الإناث، وبعضها الآخر أعطى الميراث كاملًا للابن الأكبر فقط، بينما ذهبت شرائع أخرى إلى جعل الميراث والتركة حقًا للدولة أو القبيلة كاملة وليس لأبناء الموروث في تركة ميتهم شيءٌ منها، أما في الشريعة الإسلامية فقد حظي الميراث بأهميةً خاصّة.فقد بيّن الله سبحانه وتعالى أحكام الميراث بالتفصيل في القرآن الكريم بعدله وحكمته وعلمه وإنصافه، وجعل علم الميراث من الأمور التي اختصّ بتشريعها وحدَه، وذكرها في كتابه الحكيم، كما أنه لم يجعل لأحدٍ من خلقه كلمةً أو حكمًا فيها، فقد فَصّل الله تعالى أحكام الميراث في كتابه العزيز، فجاء الشرع بالعدل والإنصاف بعد أن كان الظلم والبهتان هو ما يحكم التركة عند العرب، فقد كان العرب يورثون الأبناء الذكور دون الإناث، كما كان للابن الأكبر الحصة الأعظم من الميراث، أما بعد أن جاءت الشريعة الإسلامية فقد حلَّ نظام جديد للإرث يتصف بالدقة والعدل,وقد تبنى المشرع السعودي أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بتنظيم موضوع الميراث لذلك فإنه عند الحديث عن تنظيم الإرث في القانون السعودي فإننا نكون بشكل بديهي أمام الحديث عن نظام الإرث في الشريعة الإسلامية، وبناءُ عليه سنعمد ضمن هذه المقالة إلى بيان أهم القواعد الناظمة لموضوع الإرث في الإسلام كمقدمة نصل بعدها إلى الحديث عن حكم الفرار من الميراث في التشريع السعودي.

أسباب الإرث في الإسلام:

إن أسباب الإرث المتفق عليها في الشريعة الإسلامية تتجلى في ثلاثة أسباب هي:

  1. النكاح الصحيح.
  2. النسب أي البنوة، الأبوة، الأخوة أو العمومة.
  3. الولاء لمن أعتق.

 

أركان الإرث في الإسلام:

يقوم نظام الإرث في التشريع الإسلامي على الأركان التالية:

أولاً: الموروث وهو الشخص المتوفى أو المفقود الذي يحكم القاضي بوفاته.

ثانياً: الوارث وهو الشخص الحي الذي يحق له الحصول على الميراث.

ثالثاً: التركة وهي الحق الموروث بمختلف عناصره.

المستحقون للميراث في الشريعة الإسلامية:

نص التشريع الإسلامي على مجموعة من الضوابط التي تحكمُ توزيعَ الميراث والتي تعطي أشخاصاً معينين دون غيرهم حقًّا فيه، على النحو الذي يضمن العدل والإنصاف بحكمة الله تعالى، وسنستعرض فيما يأتي أصحاب الحق في التركة وفق أحكام الشريعة الإسلامية:

أولاً: أصحاب الفروض: وهم :

  1. الوالدانِ بعد موت أبنائهم.
  2. الزوجان، ويرثان أحدهما الآخر بعد وفاة أحدِهما.
  3. إخوة الوالدين والأب.
  4. البنات وبنات الابن.
  5. إخوة الأمّ.

ثانياً:العصبات :

وهم الأشخاص الذين يرثون نسبةً يحدّدُها التشريع الإسلامي، مثل: النصف والربع والثلث والسدس، وتكون هذه النسبة تقريبيّة، إذ قد يحجب بعض هؤلاء البعض الآخر عند اجتماعهم في التركة.

ما يجب تنزيله من التركة قبل توزيعها:

إن التشريع الإسلامي قد أوجب على الورثة القيام ببعض الأمور الهامة قبل أن يعمدوا إلى توزيع التركة، ومن هذه الأمور ما يأتي:

  1. يجب أن تُؤخَذُ تكاليف الدفن والتكفين والغسل للميت من رأس تركته أولاً قبل أن يتم توزيعها.
  2. يجب أن يتم تسديد الديون المترتبة على المورث كافة، سواء كان الدّيْنُ مستحقاً للناس مثل السّلفة والقروض البنكية، أم كان الدّيْنُ مستحقاً لله تعالى، كالزكاة أو النذر أو الكفّارة أو غيرها.
  3. يجب تنفيذ الوصية التي يوصي بها الموروث قبل موته، بحيث يتم احتسابها واقتطاعها من التّركة قبل توزيع هذه التركة على الوارثين.

 تقسيم الميراث في الشريعة الإسلامية:

يتم توزيع الميراث في الشريعة الإسلامية بحسب الشخص الوارث والموجودين من حوله، وصلة القرابة التي تربطه بالشخص الموروث، وبناءً عليه فإن التركة في الشريعة الإسلامية يتم  توزيعها كالآتي:

  1. والد المتوفى: وهذا يرث سدس التركة في حال الفرض، وعدم وجود ذريّة للمتوفَّى. كما يرث المال كله في حال العصبة، وعدم وجود أبناء أو بنات للمتوفَّى. بينما يرث ما تبقى من التركة بعد توزيعها على أبناء وبنات المتوفَّى في حال وجودهم.
  2. والدة المتوفى: وهذه ترث سدس التركة في حال وجود أبناء أو بنات للمتوفَّى الذكر. وفي حال كانت المتوفَّى أنثى فإنّ والدتها تأخذ الثلث، في حال وجود زوجها أو والدها.
  3. زوج المتوفى: وهذا يرث النصف إذا لم يكن هناك أولاد. بينما يرث الربع إذا كان هناك أولاد.
  4. زوجة المتوفى: وهذه ترث الربع في حال لم يكن هناك أولاد. بينما ترث الثمن إذا كان هناك أولاد.
  5. الأولاد: يحكم ميراث الأولاد بقاعدة هامة وهي أن الإبن يرث ويأخذ ضعف ما تأخذه البنت. ففي حال وجود الإبن وحده، فإنه يأخذ كامل التركة بعد أصحاب الفروض كعصبة. بينما في حال وجود الأولاد والبنات معًا، فإنهم يرثون باقي التركة بعد أصحاب الفروض بالنسبة نفسها، وهي أن للذّكر ضعف ما للأنثى من نصيب. أما في حال وجود البنت وحدَها دون وجود ابن ذكر معها، فإنها تأخذُ النصف بعد أصحاب الفروض، وفي حال كانتا بنتين أو أكثر، فيكون لهنّ ثُلثا التركةِ.

مزايا الإرث في الإسلام:

يعتبر الميراث الركن الخامس من أركان التركة وهو يقوم على تنظيم العلاقة الأسرية. فالميراث وفق وجهة الشريعة الإسلامية إنما هو تشريع مالي ذو أهداف اقتصادية ونفسية تساعد على تقوية أواصر الأسرة، وشدّ الرابطة بين أفرادها، وإن قانون الإرث في الإسلام يحقّق للأسرة والمجتمع ككل أهدافاً كثيرة من أهمها:

  1.  يساعد الإرث على تقوية أواصر الودّ والعلاقة بين الأب وأبنائه وزوجته وأفراد أسرته، وذلك لأنه يشعرهم بأنّهم يرثون جهده وماله، كما أنهم يشعرون بأنّه صاحب الفضل الذي ترك لهم مالاً يعينهم على سدّ حوائجهم، أو يساعدهم على فتح آفاق العمل والحياة المعاشية أمامهم .
  2. يساعد قانون الإرث على ضبط موازنة التوزيع الاقتصادي، وتقسيم الثروة التي يملكها فرد بين مجموعة من الأفراد، وذلك بشكل يساعد على إلغاء التضخّم المالي من جهة، بالإضافة إلى مكافحة الفقر والحاجة من جهة أخرى.
  3. قانون الإرث يشجّع الأفراد على الإنتاج، ومضاعفة الجهد، وذلك لأن الفرد في هذه الحالة يؤمن بأن أقرب الناس إلى نفسه وأحبّهم إليه، هم الذين سوف يرثونه، بل فوق ذلك نجده يحرص أشد الحرص على أن يوفّر لهم حاجاتهم ويضمن لهم مستقبلهم، خصوصاً في حال كانوا صغاراً لا يستطيعون الكسب، وهذا الأمر على عكس الإنسان الذي يعيش في مجتمع لا يؤمن بنظام الإرث كالمجتمع الاشتراكي مثلاً، إذ أنه في مثل هذه المجتمعات نجد أن الفرد لا يجد مبرّراً لتوفير الإنتاج ومضاعفة الجهد، طالما أن هذا المال سوف تصادره الدولة بعد وفاته، ويصير إلى من لا علاقة له بهم، ولا ثواب يلحق منهم.
  4. إن عدالة توزيع الميراث بين أقرباء الميت، تشعر الجميع رجالا‍ً ونساء بالمساواة، وتبعد روح الحقد والكراهية فيما بينهم، كما أنها من جهة أخرى تحقّق العدالة القانونية والأخلاقية بأفضل صورها، وذلك على عكس القوانين الأخرى التي تعطي الميراث للذكور فقط من دون الإناث، أو تجعل الميراث للابن الأكبر، كما هي الحال في كثير من القوانين الوضعية، والشرائع المحّرفة. وبهذا نجد أن التشريع الإسلامي يساعد على بناء الأسرة وتماسكها حتى بعد وفاة المعيل لها، وذلك من خلال توفير الضمان المادي، والأساس النفسي والأخلاقي المتين.

 

الفرار من الميراث:

على الرغم من التنظيم الدقيق لموضوع الإرث في التشريع الإسلامي وعلى الرغم من أن هذا التشريع الحنيف قد أقام توزيع الأنصبة الإرثية فيما بين الورثة على أساس من العدل والإنصاف من شأنه أن يحفظ لكل ذي حق حقه من جهة إضافة إلى تعزيز أواصر المودة والتراحم بين أفراد الأسرة الواحدة من خلال تطبيق أحكام الإرث الربانية، على الرغم من ذلك كله نجد أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يحاولون الفرار من أحكام الميراث في الشريعة الإسلامية والتحايل على هذا النظام لتحقيق مآرب ومصالح ملتوية خاصة بهم، وبالرجوع إلى أحكام القضاء السعودي التي تعتبر شاهدة على ما قد يثور في موضوع الميراث من نزاعات نجد أن إشكالية الفرار من الميراث إنما تظهر من خلال ثلاثة صور أساسية هي:

  1. الفرار من ميراث البنات.
  2. الفرار من ميراث الزوجة.
  3. استخدام الحيلة للفرار من ميراث بعض الورثة.

وسوف نقوم ببيان مفهوم كل صورة من هذه الصور وكذلك توضيح الحكم الشرعي لها والذي تبناه القانون السعودي:

أولاً: الفرار من ميراث البنات:

تلجأ الكثير من الأسر لا سيما في المناطق الريفية إلى الفرار من ميراث البنات والسعي إلى حرمانهن مما قسمه الله عز وجل من نصيب في تركة آبائهم والسبب في ذلك يكمن في خوف هذه الأسر من استيلاء أزواج البنات وأولادهن على ما سيؤول إليهن من نصيب إرثي وبالتالي الخشية من تسرب ثروة الأسرة إلى عائلات أخرى وبشكل خاص في حال كانت التركة في معظمها تتكون من أراضي زراعية أو عقارات، وإن الأشخاص الذين يعمدون إلى محاولة الفرار من توريث البنات قد يلجأون إلى العديد من الأساليب بما في ذلك أسلوب الرضوى والذي بموجبه يتم إرضاء الأنثى بمبلغ من المال مقابل ان تتنازل عن حقها في الميراث، أو أن يسري العرف على أن حصة البنت في تركة والدها تقتصر على المال الذي أنفقه عليها أثناء حياته سواء بتعليمها أو تجهيزها وتزويجها، وفي هذا الصدد نجد أن غالبية النساء اللوتي يحرمن من حقهن في الميراث على نحو أو آخر لا يعمدن إلى المطالبة بحقوقهن أمام القضاء والسبب في ذلك يعود إما لاقتناعهن أساساً بالأساس الذي يقوم عليه حرمان البنات من الميراث أو كنتيجة لخشيتهن على أواصر العلاقات الأسرية من التفكك في حالة مطالبة إخوانهن بنصبيهن من الإرث، وفي جميع الحالات وبغض النظر عن الاسباب التي تساق لتبرير حرمان البنات من الميراث يبقى هذا التصرف غير مقبول من الناحية الشرعية بحيث يؤثم من يقدم عليه.

ثانياً: الفرار من ميراث الزوجة:

تعتبر الزّوجية سبباً من الأسباب الرّئيسة الموجبة للميراث وذلك لقول الله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) ولقوله تعالى أيضا: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ). ولكي تكون الزّوجية سبباً صحيحاً من أسباب الميراث يشترط أن يكون عقد الزواج صحيحاً ومستكملاً للشروط والأركان الشرعية التي يجب توافرها في العقد الصحيح، فلا ميراث للزّوج أو الزّوجة في حال كان عقد الزواج فاسداً أو باطلاً، ويستحق أحد الزّوجين الإرث من الزّوج الآخر في حال مات الزوج الآخر بعد العقد الصحيح سواء حصل دخول أم لم يحصل.
وبناءً عليه يشترط في عقد الزواج أن تتحقق فيه صفة الزّوجية ، وتحصل صفة الزّوجية بإحدى حالتين هما:

  1. حالة قيام الزّوجية الحقيقة: ومعنى ذلك أن يموت الزّوج أو الزّوجة ورابطة الزّوجية بينهما قائمة غير منحلّة بطلاق بائن أو فسخ
  2. حالة وفاة أحد الزّوجين في الوقت الذي تكون الزّوجة فيه في عدة الطّلاق الرجعي، وذلك لأن الطّلاق الرجعي لا ينفي صفة الزّوجة كما هو الحال في حالة الطلاق البائن.

لكن قد يلجأ الزوج إلى الفرار من منح زوجته حقها في الميراث الشرعي الذي تستحقه منه وذلك من خلال أن يعمد إلى طلاق زوجته وهو في مرض الموت أو ما يعرف بطلاق الفرار الذي يعني أن يطلق المريض في مرض الموت زوجته طلاقاً بائناً دون رضا منها بذلك ومن ثم يموت وهي لا تزال في عدة الطلاق، وإن الرأي الراجح في حكم مثل هذه المسألة يتجلى في التميز بين حالتين:

الأولى:

في حال كان انحلال الزواج في مرض الموت قد تم بموجب مخالعة رضائية بين الطرفين أو أن الطلاق الواقع كان قد حصل برضا الزوجة أو بناء على طلبها ففي هذه الحالة ينتج الطلاق أثره المتمثل في إنهاء رابطة الزوجية وبالتالي يسقط نصيب هذه المرأة في الميراث.

الثانية:

في حال كان الزوج قد طلق زوجته وهو في مرض الموت دون رضا منها بذلك وتحقق قصد الزوج بحرمان زوجته من الميراث ففي هذه الحالة يعامل الزوج بنقيض قصده وتستحق الزوجة نصيبها الإرثي  من زوجها المتوفى.

ثالثاً:

استخدام الحيلة للفرار من ميراث بعض الورثة:

قد يلجأ البعض إلى استخدام الحيلة للالتفاف على قواعد الميراث وتعطيل أحكامه ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر قيام المورث قبل وفاته بإبرام تصرفات قانونية تتضمن نقل بعض أو كل أملاكه إلى بعض الورثة دون غيرهم سواء تجلت هذه التصرفات في صورة عقود هبة أو بيوع صورية وإن حكم مثل هذه الحالات يتوقف على القصد الحقيقي للمتصرف:

  1. فإذا كان المورث قد أبرم تصرفاً ناقلاً للملكية كامل الأركان في حياته ونقل الملكية فعلاً، فهنا يعد التصرف الناقل للملكية صحيحاً ومنتجاً لآثاره،
  2. لكن إذا عقد المورث التصرف واشترط أن يتم سريان آثاره بعد وفاته فهذا الاتفاق غير مقبول على اعتبار أن التصرف هنا يكون غير مكتمل الأركان ولا يفيد نقل الملكية وبالتالي فإن اللجوء إلى مثل هذه التصرفات يعتبر دليل على سعي المورث للفرار من احكام الميراث وحرمان بعض ورثته من الإرث على حساب بقية الورثة، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى موقف التشريع الإسلامي الذي بينه فقهاء الشريعة بما يتعلق بمثل هذه الحالات حيث ذهب معظم الفقهاء وأهل العلم إلى القول بأنه ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله تعالى بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق . وفوق ذلك فقد نص العلماء على أن الحيل محرمة في الشريعة، وأنها من أفعال اليهود التي استحقوا بها اللعن والطرد من رحمة الله، وأن النظر في مآلات الأفعال هو معتبر مقصود شرعا سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة.

خلاصة القول إن التشريع السعودي الذي استمد أحكامه من الشريعة الإسلامية قد أبى ان يقبل حالات الفرار من الميراث وعمل على الحد منها.

 

 

Majid

Author Majid

More posts by Majid

Leave a Reply